دواوين عشقي

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

المواطنون الشرفاء (2)


اليوم سنتحدث عن «الاستشيكرار» -تنبيه للمندسين: الاستشيكرار اللى هى الاستقرار سابقا- والاستشيكرار من أهم المفردات التى يستخدمها المواطنون الشرفاء، وهى الأكثر ذيوعا بينهم. ما الاستشيكرار؟ والنبى ما اعرف.. ها أنا أحاول تباحث الأمر مع زملائى من المندسين علنا نجد معنى لهذا المطلب الشعبى.
فلنحاول البحث فى استخدام هذا المصطلح. مثلا عادة ما يتردد فى الأوساط المصرية: الجواز مهما كان استشيكرار. ولا أعلم إن كان هناك من الأمم من يستخدم هذا المصطلح فى تعريفهم للزواج غيرنا، ولا أفهم بالتحديد معنى أن يكون الزواج استقرارا، أو كيفية حدوث ذلك (ده أنا اتجوزت مخصوص عشان أعرف إيه حكاية الاستقرار دى ومافهمتش فاطلقت بقى). كما أن كلمة استشيكرار تزامنت دوما مع المظاهرات والاعتصامات: كفاية بقى.. إحنا عايزين استشيكرار. وعلى الرغم من أننى صوت بـ«نعم» فى استفتاء التعديلات الدستورية -أملا فى الخلاص من الحكم العسكرى بأسرع وقت- فإننى لم أفهم لماذا صوت غيرى بـ«نعم» أملا فى «الاستشيكرار»؟
الاستقرار، مصطلح أسسه نظام المخلوع، ولم يخل خطاب للمخلوع دون أن يذكر أمرين: الاستقرار والأمن. الأمن وعرفناه، ألا وهو إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وتعذيب المواطنين فى أقسام الشرطة، وهتك عرض سائقى الميكروباصات.. ما الاستقرار؟ يمكنك دراسة الوضع المصرى فى أثناء حكم المخلوع لتعلم ماذا كان يعنى بالاستقرار؟ الركود. اسم الله على مقامه، فقد تسلم مصر من معلم أخلاق القرية، أنور السادات، على حال لا تسر عدوا ولا حبيبا، وظل محتفظا بها على هذه الحال، بحطة إيد المرحوم السادات، لا زيادة ولا نقصان، حتى علا مصر التراب، وامتلأت بالحشرات، وتلبدت سماؤها ببيوت العنكبوت. هو ده الاستقرار.
الاستقرار، كما يعنيه المواطنون الشرفاء، هو بقاء الوضع على ما هو عليه، سواء كان وضعا سليما أو خاطئا، سواء كان خيرا أم شرا، استوب كادر كده.
قسما بأغلظ الأيمان، إننى لأتفهم تلك الرغبة الإنسانية التى تتلخص فى قول خليجى: الله لا يغير علينا. الإنسان لا يحب المستقبل، ويخاف من تغيير قد يأتى بمصاب جلل، لا يعلم إن كان سيتحمل تبعاته، ويطيق ألمه، أو حتى ثمنه. الإنسان يحب أن يتوقف الزمن فى الوقت الحالى، لا يحب أن يشيخ، ولا أن يمرض، ولا أن يموت، ولا أن يفقد عزيزا، بل إن الشعوب العربية التى لها ميراث طويل من المعاناة نمت لديها مخاوف من الفرح، إذ إنها تشعر بأن كل فرح له ثمن، وربما تمخض عن خيبة أمل، وقد يكون كالعشق: حلو فى أوله وآخره علقم والله علقم. إلا أن حركة التاريخ، وسنة الحياة كما خلقها الله، تحتم علينا أن نستفيق من وهم إمكانية إبقاء أى وضع على ما هو عليه. فالمخلوع سبقنا فى محاولات تجميد الحياة، ولم يفلح إلا فى قيادة الوضع من سيئ إلى أسوأ، وكما تقول أطاطا: هو فيه حاجة يابنى بتفضل على حالها؟
إذن، فحلم الاستقرار كما ينشده المواطنون الشرفاء هو حلم إنسانى مفهوم، لكنه مستحيل، وحيث إننا لا يمكن أن نثبت الحياة استوب كادر، وحيث إن الزمن يتحرك، ويمضى قدما رضينا أم أبينا، وحيث إن دعاء: الله لا يغير علينا، هو دعاء غير مجاب، تماما كدعائك: يا رب أصحى من النوم ألاقى عندى جناحات، فإن ثباتنا مع تحرك الزمن سيوردنا موارد التهلكة، ويجعلنا ألعوبة فى يد كل من يتحرك مع عجلة الزمن، ويضعنا خارج التاريخ، وقد ثبت بالدليل القطعى، على مدى 30 عاما، أن الركود يرفع منسوب الأتربة ولا يبقى المنزل كما تسلمناه، إذن، فعلينا أن نتحرك إن كنا نريد أن يكون لنا شأن، أو كرامة، أو قيمة، إن كنا نريد أن نحيا حياة الإنسان لا حياة الكرسى الخرزان المتهشم، المتسخ، الذى ترعى فيه العناكب. صحيح أن التحرك له ثمن واجب علينا دفعه، إلا أن تكلفة الركود تقدر بمئة ضعف الثمن المدفوع مع التحرك، وقال على رأى سعاد حسنى: ولكن تؤخذ الدنيا كدهو.
الثمن مدفوع مدفوع.. ولو فضل الناس الاستشيكرار لما سار الأنبياء فى طريقهم لهداية الناس، ولا دَوَّن الحكماء فلسفتهم ودفعوا ثمن ذلك شرب السم، ولا سعى العلماء لاكتشافات علمية جعلتهم أضحوكة زمنهم، ولا حققت الأمم الانتصارات دفعت فيها الدماء، ولو آثروا الاستشيكرار لما حققوا إنجازا ولما أفلحوا، مع ذلك، فى تجنب الموت والخسران والمرض والألم والحزن. وقد نشد المخلوع الاستقرار فانتهى به الأمر إلى الخروج من حكم دام 30 عاما من دون تاريخ. كتب الله أن تكون هذه نهاية كل جبان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق