دواوين عشقي

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

ألفاص بسيئة (2)


من تبعات مواجهات يوم 28 يناير مع الشرطة، أننى أعيش اندم على العيش «من قلة الموت» كما يقول أهل الشام. درت على أهل الله لأعلم سر عدم اختيارى للشهادة، وكنت أروى الأحداث بتفاصيل التفاصيل فى كل مرة حتى يتثاءب الجلوس: والناس جاية بنسوانها وعيالها زى ما سيدنا الحسين راح كربلاء بحريمه وعياله.. وأنا؟ أنا ولا حتى مت. فقال لى أحدهم: يا بنتى، يمكن ربنا اختار لهم قبس الحسين واختار لك قبس أم هاشم تروى حكايتهم عشان الناس ما تنساش. وبناء عليه، فقد آليت على نفسى أن لا أترك السعى وراء القصاص لدماء الشهداء. لكن كربلاء كانت واحدة فقط، أما فى مصر، فكلما نزل الناس لممارسة حقهم الطبيعى فى التظاهر، قتل منهم من قتل بطلق نارى، ثم اتهموا، قبل أن يواريهم الثرى، بأنهم محدثو شغب وبلطجية. طب أنا حالاحق على مين ولّا مين؟ يام العواااااجز… يقعد لهم فى عينهم وعافيتهم يا رب. نعم، كل من أطلق الرصاص على الأبرياء، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من أدان المقتول وبرّأ القاتل، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من روج لخطاب يبرر إطلاق الرصاص على المدنيين، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من حرص على سلامة زجاج سيارته ولم يأبه لأرواح أحرار أرادوا أن يستكملوا ثورتهم، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من يتعامل مع الشهداء بوصفهم أرقاما فى قائمة، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من اختار «الحياد» بين القاتل والمقتول، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب، كل من التزم «الموضوعية» فى قضية بين ظالم ومظلوم، يقعد له فى عينه وعافيته يا رب.
فى يوم الجمعة 9/9، كانت بينى وبين الشهادة شعرة، لكن الله لم يخترنى، وتشاجرت مع من جذبتنى سواعدهم بعيدا عن الرصاص، وتوعدتهم بأننى لن أخاطبهم مرة أخرى، ثم عدت واعتذرت، إذ إن الأمر بيد الله لا بأيديهم. كان ذلك أمام 
مديرية أمن الجيزة، حيث قام الأشاوس من قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحى، ماعملناش حاجة على فكرة، همّا اللى كل ما يشوفوا وشنا يضربوا نار، وكأن وجوهنا هى إشارة البدء وفقا للتعليمات الصادرة لديهم، وما يدمى القلب، هو الإدانة الواسعة للقتلى واتهامهم بالبلطجة والتآمر والعمالة لجهات أجنبية وهم العزل، المقتولون، المصابون، وتبرئة ساحة المسلح، المعتدى. بل إن محمد فائق نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان قال إن على الشعب المصرى استقبال الشرطة الاستقبال «الذى يليق بها» وإن هناك «جهات» مسؤولة عن «عنف المتظاهرين».. نائب رئيس المركز القومى لحقوق الإنسان يتحدث عن عنف من قبل المقتولين، ويحث الجماهير على حسن استقبال القاتل؟ أمّال نائب المركز القومى للحزب النازى يقول إيه؟
أكد السيد محمد فائق أن تقرير لجنة تقصى الحقائق المشكلة للبحث فى أسباب أحداث اقتحام السفارة الإسرائيلية سيتضمن تحذيرا شديد اللهجة من عدم عودة الشرطة بكامل طاقتها حتى الآن لممارسة دورها فى حماية الأمن الداخلى!
طيب.. الشديد اللهجة ده فيه «ألفاص بَسِيئة»؟ أصل إحنا شعب رقيق، مهذب، لطيف، يُخدش حياؤه بسهولة، وتحمر وجنتاه من التعدى اللفظى، أما القتل فالأعمار بيد الله، ونحن قوم مؤمنون، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، والانتقام من القاتل لن يعيد المقتول إلى الدنيا، ودوّرها دوّر واعطنى شفطة، قبل ماتييجى تيجينا الشرطة.. كى «نستقبلها الاستقبال اللائق».
طيب.. إلى من يوجه المركز القومى لحقوق النازى تحذيره شديد اللهجة؟ إلى الشعب الذى لم «يهيئ الجو العام للشرطة فى أن تعود بقوتها.. أو عدم استقبالها استقبالا يليق بها من جانب الشعب»، كما ورد على لسان محمد فائق بجريدة «الأهرام» العدد الصادر فى 13 سبتمبر؟ وما الجو الملائم الذى يجب أن يقوم الشعب بتهيئته لنزول الشرطة؟ نمسح البلد بالجاز، ونطبخ لقمة، ونشيش الشباك، ونهش الدبان، ونرش قدام البيت؟ أما تعبير «يليق بها» هو تعبير ملائم تماما كتعبير «ربنا يديهم على قد نيتهم».
طيب.. ما «الجهة» المسؤولة عن عنف المتظاهرين المزعوم؟ هل الجيش الذى كان يفسح الطريق لمقتحمى السفارة؟ أم مديرية أمن الجيزة التى رأى الناس بعينى رؤوسهم البلطجية يخرجون من مبناها ليحرقوا حديقة الأورمان؟ أم قوات الأمن التى أطلقت الرصاص الحى وقتلت المتظاهرين؟
«فالقاضى تبع البتاع/فالحق عالمقتول».. أبويا ده برنس والله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق