من الممكن، بل من السهل، أن أنضم إلى المولولين والباكين على الثورة المسكوبة واختطاف الثورة وتهميش دور الشباب فى عمليات اتخاذ القرار واستمرار الأحوال -فى الغالب الأعم- كما هى دون تغيير للروح السائد، والقضايا كثيرة وجاهزة: انفلات أمنى، ارتفاع الأسعار، ازدياد القيود غير المكتوبة على الإعلام، قانون الطوارئ، صناعة الفوضى مدفوعة الأجر عن عمد، تدنى الأخلاق، عنف الشرطة، الإحباط نتيجة التخبط والارتباك السياسى الواضح وانخفاض معدلات الاستجابة للمطالب الديمقراطية، وغيرها، كأننا كنا نعيش جنة الله على الأرض وقت مبارك. لكنى اليوم اختار الطريق الأصعب وأحاول أن أبحث عن نقاط إيجابية تقربنا أكثر من مصر التى نريدها، إذ يغفل الكثيرون أسبابا تبعث على التفاؤل برغم مساعى النظام الانتقالى الحثيثة إلى إغلاق طاقة الضوء التى فتحتها الثورة لتنتزع حقوق الشعب، يقوم فى ذهن القائمين على النظام التحكم فى مسار ووتيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية حتى لا يفقدوا السيطرة على مقاليد الأمور فجأة، وفى ذهن الجماعات المطالبة بالديمقراطية التغيير الجذرى والشامل الآن وفورا، ومن اختلاف المصالح تنبع الخلافات التى تنتهى عادة فى صالح من يملك القوة. وبرغم كل ما سبق ما زالت هناك عوامل تدعو إلى الأمل الحذر على المدى الطويل، أولا: الأجيال القادمة التى عايشت الثورة وهم مستقبل البلد، أصبحت تركيبة مصر السكانية نعمة بدلا من نقمة، فبروز فئة الشباب تحديدا يعطى تركيبة السكان ككل حيوية ونشاطا، قد يصفه الكبار اندفاعا ورعونة، ولكنهم على كل حال الأغلبية فى المجتمع وإن كنا نتكلم بلغة الأغلبية والديمقراطية فعلى الكبار الممسكين بزمام الأمور أن يراعوا الشباب عن جد وبما يرضى الله، وأن لا يتحول الشباب لدى الحكومة إلى فئة لا يهمها سوى قضايا الرياضة والسكن والزواج فحسب، هؤلاء الشباب الذين خرجوا طلابا للابتدائية تضامنا مع انتفاضة الأقصى وضد غزو العراق، خرجوا شبابا ضد الظلم والقهر، يمكنهم الخروج مرة أخرى بعدما أدركوا قوتهم. ثانيا: برغم محدودية استجابة النظام لمطالب الجماعات المطالبة بالديمقراطية ما زال الحراك السياسى موجودا ويسهل استدعاؤه رغم تباطئه وتحوله إلى حالة آخذة فى الصلابة بدلا من شدة السيولة، كذلك من مظاهر استمرار الحراك السياسى استمرار معركة الوعى والوعى المضاد، ولم تفلح محاولات لتجريم وتحجيم أشكال الاحتجاج الشرعية دوليا لتحقيق مطالب إنسانية مشروعة فى توقيفها تماما، واضطررنا للعودة إلى الطوارئ بما يعيد إنتاج كتالوج ممتد على مدى 3 عقود ويهدد بإعادة إنتاج «دولة القانون المعطلة» كما فى عهد مبارك مرة أخرى، لكن يعكس استمرار الحشد لبعض الفئات نتيجة التذمر وعى المواطن بحقوقه الذى قد لا يوقفه سوى الحصول عليها، وبعد 7 أشهر من تنحى مبارك لم يهدأ الغضب مما يعنى أن المشكلة لم تكن فى مبارك الشخص بل فى نظامه إضافة إلى سوء أو صعوبة إدارة المرحلة. ثالثا: ما دام تجاهل مطالب الشعب الاجتماعية والاقتصادية ووصمها بالفئوية ومحاولات توقيفها قائما فإن هذا مطمئن، لأن استمرار الغضب يمكن أن يمهد إلى حالة ثورية جديدة، قد يكون النظام الانتقالى تعلم بعض الحيل واستطاع تحييد بعض القوى، لكن جذوة التمرد على الظلم الاجتماعى والاقتصادى موجودة، لأن النظام فى واقع الأمر لم يسقط، ما سقط هو مؤسسة الرئاسة والمقربون منها، وإسقاط النظام لا يعنى -لا سمح الله- إسقاط مؤسسات الدولة أو آخر عمود للبيت، بل يعنى إسقاط كتالوج يحوى قواعد مريضة فى علاقة الحاكم والمحكومين، فكما تعبر المقولة المنتشرة على منتديات الإنترنت «نجحت العملية الجراحية لكن التمريض سيئ»، نجحنا فى استئصال مرض عضال، ولكن حتى تنجح مصر فى الشفاء التام، على طاقم التمريض الذى يشرف على حالة المريض أن يكون أكثر حسما فى اختيار علاج فعال لا مسكنات يتفشى تحت ستارها الورم من جديد. رابعا: من الأمور الإيجابية انكسار حاجز الخوف، وعدم الاكتفاء بالسياسة كعملية «علوية» تأتى من فوق، توجد مبادرات جديدة إيجابية لا نهائية للتنمية بهدف تكوين الحركة الشعبية الوطنية من أسفل، منها الحركات النقابية المستقلة التى أسهمت فى صياغة قانون النقابات الجديد، منها مؤسسة «نبنى» الخيرية، مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية» النشطة للغاية، التى اتسمت جهودها بفاعلية كبيرة، من مظاهرها أيضا انخراط أكبر للشباب فى مؤسسات قائمة بالفعل، واستطاعوا تنظيم ذاتهم فى ائتلافات وكيانات أكثر فاعلية من مجرد تنظيف شوارع المدينة الذى يقع عبئه على مؤسسات الدولة، كما توجد الكثير من المظاهر الاجتماعية الرائعة التى يهملها الكثيرون فى إطار الشكوى المستمرة للمواطن المصرى، من أبرزها التكافل الكبير بين المتضررين اقتصاديا فى بعض القطاعات وأصدقائهم وذويهم فى المناطق الشعبية والذى لولاه لتفاقم الفقر بشكل أكبر. ننسى كل هذه الأمور الإيجابية لأنها ببساطة خارج بوصلة عمل الإعلام، فالإعلام بطبيعته يركز على الصراع والسلبية والغرابة لكى يبيع، خصوصا أن التركيز على كل ما هو إيجابى أصبح سيئ السمعة، لأنه يذكرنا بأداء الإعلام الحكومى الذى يركز على افتتاح المشاريع والكبارى والإنجازات متجاهلا مشكلات الشعب. هناك إذن نصف كوب ممتلئ برغم محاولات تفريغ الثورة من مضمونها واختطاف شعاراتها، لكن علينا أن لا نيأس بالرغم من كل شىء، لأن اليأس أول ما يقتل الإرادة ويكبل السعى إلى الحرية، فإن تمكنوا من بثه فى قلوبنا، تمكنوا منا.
من الممكن، بل من السهل، أن أنضم إلى المولولين والباكين على الثورة المسكوبة واختطاف الثورة وتهميش دور الشباب فى عمليات اتخاذ القرار واستمرار الأحوال -فى الغالب الأعم- كما هى دون تغيير للروح السائد، والقضايا كثيرة وجاهزة: انفلات أمنى، ارتفاع الأسعار، ازدياد القيود غير المكتوبة على الإعلام، قانون الطوارئ، صناعة الفوضى مدفوعة الأجر عن عمد، تدنى الأخلاق، عنف الشرطة، الإحباط نتيجة التخبط والارتباك السياسى الواضح وانخفاض معدلات الاستجابة للمطالب الديمقراطية، وغيرها، كأننا كنا نعيش جنة الله على الأرض وقت مبارك. لكنى اليوم اختار الطريق الأصعب وأحاول أن أبحث عن نقاط إيجابية تقربنا أكثر من مصر التى نريدها، إذ يغفل الكثيرون أسبابا تبعث على التفاؤل برغم مساعى النظام الانتقالى الحثيثة إلى إغلاق طاقة الضوء التى فتحتها الثورة لتنتزع حقوق الشعب، يقوم فى ذهن القائمين على النظام التحكم فى مسار ووتيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية حتى لا يفقدوا السيطرة على مقاليد الأمور فجأة، وفى ذهن الجماعات المطالبة بالديمقراطية التغيير الجذرى والشامل الآن وفورا، ومن اختلاف المصالح تنبع الخلافات التى تنتهى عادة فى صالح من يملك القوة. وبرغم كل ما سبق ما زالت هناك عوامل تدعو إلى الأمل الحذر على المدى الطويل، أولا: الأجيال القادمة التى عايشت الثورة وهم مستقبل البلد، أصبحت تركيبة مصر السكانية نعمة بدلا من نقمة، فبروز فئة الشباب تحديدا يعطى تركيبة السكان ككل حيوية ونشاطا، قد يصفه الكبار اندفاعا ورعونة، ولكنهم على كل حال الأغلبية فى المجتمع وإن كنا نتكلم بلغة الأغلبية والديمقراطية فعلى الكبار الممسكين بزمام الأمور أن يراعوا الشباب عن جد وبما يرضى الله، وأن لا يتحول الشباب لدى الحكومة إلى فئة لا يهمها سوى قضايا الرياضة والسكن والزواج فحسب، هؤلاء الشباب الذين خرجوا طلابا للابتدائية تضامنا مع انتفاضة الأقصى وضد غزو العراق، خرجوا شبابا ضد الظلم والقهر، يمكنهم الخروج مرة أخرى بعدما أدركوا قوتهم. ثانيا: برغم محدودية استجابة النظام لمطالب الجماعات المطالبة بالديمقراطية ما زال الحراك السياسى موجودا ويسهل استدعاؤه رغم تباطئه وتحوله إلى حالة آخذة فى الصلابة بدلا من شدة السيولة، كذلك من مظاهر استمرار الحراك السياسى استمرار معركة الوعى والوعى المضاد، ولم تفلح محاولات لتجريم وتحجيم أشكال الاحتجاج الشرعية دوليا لتحقيق مطالب إنسانية مشروعة فى توقيفها تماما، واضطررنا للعودة إلى الطوارئ بما يعيد إنتاج كتالوج ممتد على مدى 3 عقود ويهدد بإعادة إنتاج «دولة القانون المعطلة» كما فى عهد مبارك مرة أخرى، لكن يعكس استمرار الحشد لبعض الفئات نتيجة التذمر وعى المواطن بحقوقه الذى قد لا يوقفه سوى الحصول عليها، وبعد 7 أشهر من تنحى مبارك لم يهدأ الغضب مما يعنى أن المشكلة لم تكن فى مبارك الشخص بل فى نظامه إضافة إلى سوء أو صعوبة إدارة المرحلة. ثالثا: ما دام تجاهل مطالب الشعب الاجتماعية والاقتصادية ووصمها بالفئوية ومحاولات توقيفها قائما فإن هذا مطمئن، لأن استمرار الغضب يمكن أن يمهد إلى حالة ثورية جديدة، قد يكون النظام الانتقالى تعلم بعض الحيل واستطاع تحييد بعض القوى، لكن جذوة التمرد على الظلم الاجتماعى والاقتصادى موجودة، لأن النظام فى واقع الأمر لم يسقط، ما سقط هو مؤسسة الرئاسة والمقربون منها، وإسقاط النظام لا يعنى -لا سمح الله- إسقاط مؤسسات الدولة أو آخر عمود للبيت، بل يعنى إسقاط كتالوج يحوى قواعد مريضة فى علاقة الحاكم والمحكومين، فكما تعبر المقولة المنتشرة على منتديات الإنترنت «نجحت العملية الجراحية لكن التمريض سيئ»، نجحنا فى استئصال مرض عضال، ولكن حتى تنجح مصر فى الشفاء التام، على طاقم التمريض الذى يشرف على حالة المريض أن يكون أكثر حسما فى اختيار علاج فعال لا مسكنات يتفشى تحت ستارها الورم من جديد. رابعا: من الأمور الإيجابية انكسار حاجز الخوف، وعدم الاكتفاء بالسياسة كعملية «علوية» تأتى من فوق، توجد مبادرات جديدة إيجابية لا نهائية للتنمية بهدف تكوين الحركة الشعبية الوطنية من أسفل، منها الحركات النقابية المستقلة التى أسهمت فى صياغة قانون النقابات الجديد، منها مؤسسة «نبنى» الخيرية، مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية» النشطة للغاية، التى اتسمت جهودها بفاعلية كبيرة، من مظاهرها أيضا انخراط أكبر للشباب فى مؤسسات قائمة بالفعل، واستطاعوا تنظيم ذاتهم فى ائتلافات وكيانات أكثر فاعلية من مجرد تنظيف شوارع المدينة الذى يقع عبئه على مؤسسات الدولة، كما توجد الكثير من المظاهر الاجتماعية الرائعة التى يهملها الكثيرون فى إطار الشكوى المستمرة للمواطن المصرى، من أبرزها التكافل الكبير بين المتضررين اقتصاديا فى بعض القطاعات وأصدقائهم وذويهم فى المناطق الشعبية والذى لولاه لتفاقم الفقر بشكل أكبر. ننسى كل هذه الأمور الإيجابية لأنها ببساطة خارج بوصلة عمل الإعلام، فالإعلام بطبيعته يركز على الصراع والسلبية والغرابة لكى يبيع، خصوصا أن التركيز على كل ما هو إيجابى أصبح سيئ السمعة، لأنه يذكرنا بأداء الإعلام الحكومى الذى يركز على افتتاح المشاريع والكبارى والإنجازات متجاهلا مشكلات الشعب. هناك إذن نصف كوب ممتلئ برغم محاولات تفريغ الثورة من مضمونها واختطاف شعاراتها، لكن علينا أن لا نيأس بالرغم من كل شىء، لأن اليأس أول ما يقتل الإرادة ويكبل السعى إلى الحرية، فإن تمكنوا من بثه فى قلوبنا، تمكنوا منا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق