قناص العيون هرب.
هذا هو الخبر الذى استقبله المجلس العسكرى بصمت رهيب، بينما يهلل ويكلف مزيكا حسب الله باللف على كل قنوات التليفزيون للحديث عن العرس الديمقراطى الذى صنعه.
والحقيقة أن العرس لم يصنعه المجلس، ولكن الثورة، والمجلس فى نظام مبارك كان سيشارك فى عملية التزوير بشكل طبيعى، ولم نسمع عن اعتراضات أو نقد عنيف من داخل السلطة.
من حق المجلس أن يحاول استثمار الإقبال على التصويت، لكنه استثمار يظل فارغا من معناه مع ضربه للحريات العامة بحمايته للقتلة.
كيف يمكن أن تفخر بالعرس الديمقراطى وتترك قناص العيون يهرب، وفرق القتل تنعم بدفء مكاتبها بعد أن شنت حرب تأديب وإبادة للثوار؟
يبدو إذن أن المجلس العسكرى يبحث عن شرعية.
اللواء الملا ظهر سعيدا وفخورا ويقول: احتفال الناس بنا عند اللجان الانتخابية استفتاء على شعبية القوات المسلحة.
وهذه كلمات من يفتقد الثقة فى هذه الشعبية ويضعها فى حالة «اختبار» بعد أن نفد رصيده.
لم يكتشف اللواء أن هذه الملايين تسعى عبر الانتخابات للتخلص من حكم العسكر، وبطريق يكمل ما بدأته الثورة فى ٢٥ يناير واستكملته الموجة الثانية فى ١٩ نوفمبر.
الثورة فتحت المسرح السياسى أمام الملايين لا لتختار متحدثا أو تفرض تيارا بعينه، ولكن لتبنى قواعد دولة حديثة، لا تزور فيها الإرادة بالفلوس أو باللعب على العاطفة الدينية أو بالخوف من بلطجية أو من أجهزة القمع.
المجلس يفخر بالعرس الديمقراطى، ومن بين الفخورين اللواء حمدى بدين قائد الشرطة العسكرية والمسؤول عن مذابح متعددة منها مذبحة ماسبيرو.
الديمقراطية ليست صندوق انتخابات لكنها نظام كامل، بداية من حق تنظيم الأحزاب والعمل السياسى من دون قانون طوارئ، وحق الإضراب والتظاهر، وحقوق متعددة إن لم توجد، ولا معنى للصندوق ولا للديمقراطية.
وفى اليوم الذى يفخر فيه المجلس بالصناديق يستورد ٧ أطنان قنابل غازات جديدة من أمريكا، ويعاقب موظفة الجمارك التى منعتها.. كيف نفهم هذا التناقض إلا أن الطنطنة بالعرس الانتخابى ليست إلا جزءا من لعبة ممتدة من ليلة إزاحة مبارك عن الحكم؟
الانتخابات ليست ضد الثورة، وعلى عكس ما يقوله المجلس وأجهزة دعايته. الملايين التى ذهبت إلى الصندوق تلتقى الملايين المعتصمة فى ميادين مصر على هدف واحد: التخلص من حكم العسكر… وإنهاء عصر الجمهورية العسكرية المقنع بالبدلة المدنية. لا شرعية فى مصر الآن لحكم العسكر ولو من خلف ستار، والمجلس بعد الفشل فى مهمة إدارة المرحلة الانتقالية ليس أمامه -كوريث للاستبداد- إلا أن يفرغ القيم السياسية من معناها فتصبح الديمقراطية هى الطوابير أمام الصناديق، والانتقال السلمى للسلطة هى النقلة من عصام شرف إلى الجنزورى، والشرعية هى وقوف جماهير نادى طلائع الجيش خلف عكاشة قائد ثورة التصحيح، منادين «بالراحة وبشويش.. كله إلا الجيش».
الثورة استعادت قوتها فى التحرير بعد شهور من المطاردات والإحباطات، وأصبحت قادرة أكبر على الفرز ليتخلص جسدها من الدهون وتبقى الكتلة الفاعلة بقوة.
لم يذهب الناخب إلى الصندوق لأنه يحب المجلس، على العكس لأنه يريد أن يغادر المجلس سريعا مقاعد السلطة، ولأن الثورة أثبتت أن البلد ملك للشعب وليس كما تربينا طويلا «ملك الحكومة».
الشهداء فى يناير ونوفمبر أثبتوا أن المجتمع يدفع حياته ثمنا للحرية، وفى سبيل أن تكون مصر دولة حقيقية لا تحكمها عصابة أو حاكم يتصور نفسه فرعونا أو نصف إله.
الثورة علمت السلطة أن تسمع الشعب ولا يسمعها الشعب… وفشلت كل محاولات الترويض والالتفاف والسرقة والخطف.
والشعب يسأل: أين بلطجية الشوارع فى الانتخابات؟ هل هربوا فجأة أم تم ترحيلهم إلى سيبريا؟
ألا يستدعى المشهد التفكير فى أن الأمن إرادة سياسية؟ وقرار وليس مجرد كفاءة؟
وأنه فى إطار شيطنة الثورة كان لا بد من نشر الفزع والرعب، ليهرول المجتمع كله إلى المجلس: إلحقنا؟
وأين اختفى الطرف الثالث الذى كان يظهر فى أى تجمع شعبى؟
وأين مؤامرات الأصابع الخارجية المعادية لاستقرار مصر؟
هل تبخرت أم أنها فى إجازة احتفال بالعرس الديمقراطى وهل ستنتهى أكذوبة الانفلات الأمنى أم ستعود بعد الانتخابات؟
هكذا قبل أن يبحث المجلس عن شرعية عليه الإجابة عن هذه الأسئلة بعد أن يعلم أننا خرجنا من متاهته سالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق