العنوان ليس له أدنى علاقة بكتاب فلاديمير لينين، لكنه سؤال يلح على ألسنة البعض، ويصرون على توجيهه إلى أمة الله الفقيرة. الحقيقة أننى لا أعلم بالضبط «ما العمل» فى إيه؟ المزاج العام للمواطن يميل إلى التهدئة بسبب شعوره بأن الثورة قد أحرزت هدفا فى مرمى النظام البائد -المصارع دوما للعودة- مع انطلاق الجملة التاريخية الرنانة: «موجود يا فندم». فلماذا يشعر البعض أن هناك خطرا داهما من رغبة الناس فى الراحة، ولو لفترة وجيزة، قبل استهلال موجة ثالثة من الثورة، أزعم أنها قادمة لا محالة؟
هناك بعض الجمل التى تحولت بشكل غامض ومفاجئ إلى مسلَّمات، ثم انتقل من يطرحها إلى معضلة مبنية على تلك المسلَّمة التى لا أعلم من الذى سلم بها، ومتى، وأين…
«الثورة بتخسر فى الشارع»! أو «إحنا خسرنا فى الشارع».. و«إحنا» هذه بالطبع تعنى الثورة.. على أساس إن دى ثورة أبونا، ونحن إذ نتوجه بالشكر إلى الشعب المصرى الشقيق الذى ساندنا فى ثورة أبونا طوال الـ18 يوما، نعبّر عن بالغ القلق والأسى لأنه لم يعد يهتم بثورة أبونا كما تعودنا منه. ثم، مَن هم «نا» المشار إليهم؟ «إحنا بنخسر فى الشارع».. أيوه، يعنى حضرتك ومين معاك؟ ولماذا لا تعدّ نفسك من الشارع؟ وداهية لتكون حاسبنى معك وأنت تسألنى، أنا ما باخسرش حاجة يا اخويا.. آه.. كله إلا سمعتى. بداية، ليس هناك كيان اسمه «الثوار»، بل هناك 20 مليون ثائر فى مصر، أى ما يوازى خمسة أو ستة شعوب عربية مجاورة. هذا التعداد الهائل من المشاركين فى الثورة المصرية، والكفيل بتكوين خمس دول، شارك فى الثورة وهو يعى أبعادها، وقيمها، وشعاراتها، وأهدافها، وعمقها، ومفاهيمها. يشارك هذا التعداد حين يرى بدا من المشاركة، وأحيانا يكتفى بالتعاطف، وربما عاد إليه الغضب فأرسل سفراءه إلى الشارع بقوة، متحفزا، منتظرا ما سيسفر عنه تكشيره عن الأنياب.
ترابط ثلة من الأولين فى الميدان، وبعد أن قررت قوات الأمن المركزى والشرطة العسكرية الاعتصام فى ميدان التحرير لإسقاط الاعتصام، تحوم الثلة حول الميدان، على المقاهى، فى الشوارع الجانبية، يطوفون بسياراتهم، يبتسمون مارّين إلى قوات الأمن المركزى وينادونهم بسخرية «حتخلصوا الاعتصام ده إمتى؟ منكم لله خربتو البلد». إلا أن هذه الثلة من غير المتوقع أن تمثل الأغلبية، ولا يمكن للشارع المصرى أن يدمن على الاعتصامات والتظاهر بشكل دائم ومستمر كما تتوقع الثلة الحارسة لميادين الاعتصامات. كما أنه من المجحف أن يشعر حراس الثورة بأنهم يخسرون الشارع بسبب حادثة فض الاعتصام الأخيرة. هل منحتهم لقبا الآن؟ أقصد أولئك الذين يحومون حول الميدان، ويسألوننى: «حنعمل إيه؟» ولا ينامون ليلهم بسبب القلق على أهداف الثورة كأنهم أم يرقد وليدها بين الحياة والموت فى إحدى الحضانات.. هل منحتهم لقب «حراس الثورة» الآن؟ لا أعلم إن كان اللقب مناسبا أم لا، فقد خرج عفوا للتو. لكن إن كانوا يرتضون بلقب حراس الثورة، فهم بالطبع ليسوا صناعها. صناع الثورة هم العشرين مليون مواطن الذين شاركوا فيها، وعلى «حراس الثورة» أن يتوقفوا فورا عن الندب والعويل والشعور المبالغ فيه بالقلق، طبعا باتنطط عليهم، لأننى لا أكف عن الندب والعويل والشعور المبالغ فيه بالقلق، لكن مع أصحابى بس، الذين يستمعون إلىّ فى صبر، ثم يعقّبون: «إنتى محتاجة ترتاحى يا نوارة».. وتَمثّل أحدهم شخصية محمود عبد العزيز فى فيلم «العار» وقال: «إنتى عندك بوست تروماتيك سيندروم!»، إلا أن القلق من سرقة الثورة، وعودة الخمول إلى الشارع المصرى، وذهاب دماء الشهداء سدى، والتورط فى حكم عسكرى، وتسرب اليأس إلى نفوس المواطنين، وعودة الخوف إلى الشارع المصرى، وكل هذه التوجسات الصحية، يجب أن لا تدفعنا إلى الاستسلام لارتباكات فى كيمياء المخ ينتج عنها استدلالات ليس لها أى أساس من الصحة.
بالله عليكم، ماذا تعنى هذه الجملة الممجوجة «الثورة بتخسر فى الشارع»؟ اللى هو إيه يعنى؟ هل خرج الملايين يطالبون بعودة مبارك إلى الحكم؟ هل خرجوا يطالبون باستمرار الحكم العسكرى؟ هل كفر الناس بمبادئ الثورة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية/ عيش، حرية، كرامة وطنية؟ ألم يفرح الناس ويشعروا أن محاكمة مبارك آية من آيات الله، ومضوا يتمتمون بالتسبيح وتلاوة آية «وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون».
حين يزحف الشعب بالملايين وهو يهتف مطالبا بـ«جوع، ديكتاتورية، حكومة مفترية»، فإنك تستطيع بكل ارتياح أن تقول: الثورة خسرت فى الشارع.. وأبو ده شارع ساعتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق